Arabic / العربية

تتيح لنا حركات الاحتجاج التي تجتاح المجتمعات في العالم العربي منذ كانون أول 2010، أن نلمح بشكل جدّي أكثر من أي وقت مضى نهاية مرحلة الاستبداد السياسي في المنطقة، مهما كانت العملية المؤدية إلى ذلك صعبةً. لقد أثَّرت حركات الاحتجاجات هذه في جميع الأنظمة السياسية، سواء بشكل مباشر في منطقة الشرق الأوسط وفي شمال إفريقية (في تونس، ومصر، وليبيا، وسوريا، واليمن والبحرين)، أو بشكل غير مباشر جاء كردود فعل استباقية (في العربية السعودية، والمغرب وفلسطين). لقد برزت مع “الصحوة العربية” ممارسات سياسية جديدة على المستوى الوطني، وتشكلت تحالفات اجتماعية سياسية وتركيبات ذات أنماط جديدة. وتقوم هذه التشكُّلات السياسية الجديدة بإعادة قولبة توازن القوى على مستوى المنطقة بين العالم العربي والاتحاد الأوروبي، وعلى مستوى سياسات الهجرة، مع الأخذ بعين الاعتبار تركيا وإيران.

وتُثبت الأحداث التي جرت في الأشهر الماضية أهمية المواضيع التي ينوي مشروع ”عندما تنهار الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي“ (WAFAW) دراستها، كما تُثبت ملاءمة مختلف الفرضيات والإشكاليات التي أشار إليها فريق البحث في مختلف أعماله السابقة، ونعني بذلك التغيّرات البنيوية على الساحة السياسية والتحولات التدريجية في العلاقات بين أوروبا وجيرانها على الطرف الآخر من البحر المتوسط وبخاصة أهمية الحركات الإسلامية في التكوينات الجديدة. يرغب القائمون على المشروع في تحليل الأحداث الراهنة على ضوء النقاشات الدائرة حول التيارات الإسلامية وعلاقاتها مع الاستبداد ومع مختلف قوى التحديث السياسي. فالقوى العاملة حالياً على الساحة السياسية العربية تستلزم اعتماد استراتيجيات جديدة من قبل اللاعبين: فبينما لا نزال غير قادرين على تحديد شخصية ما يُطلق عليه اسم ”جيل التويتر“، تقوم الأحزاب القديمة الحاكمة بإعادة هيكلة بُنيتها الداخلية في محاولة منها للظهور في ثوب جديد، بينما باتت التيارات الإسلامية تملك الفرصة لتولي حكم البلاد إنما في مواجهة خطاب اجتماعي يساري أو ”ليبرالي“ يزداد نشاطاً مع الوقت.

على المستوى الدولي، إنْ بدأ الحكام العرب المنتخبون بتمثيل تطلعات شعوبهم حقيقةً، سيكونون بذلك أقل مجاملة وخدمة من سابقيهم لشركائهم الغربيين. وإنَّ في الدور المتنامي للدبلوماسية التركية والقطرية في المنطقة في بيئةٍ عُرْضَةٍ للتغيّرات إضافة إلى اهتزاز أُسس السياسة الإيرانية في المنطقة، ما يشكل تغييرات غير طبيعية لا بد من توثيقها. وبعيداً عن العلاقات الدولية، سيقوم فريق البحث بتحليل تطور نظام الهجرات والتغيُّر الرمزي لوضع الأوروبيين من أصل عربي وكذلك انقلاب مفاهيم الاستثمارات الاقتصادية التي تمثل عاملاً محركاً كبيراً، وإنْ كانت هذه الأمور غير ظاهرة للعيان إلا قليلاً.

مهما لزم من وقت للخروج من مرحلة الاستبداد، على الباحثين في العلوم الاجتماعية منذ الآن تكييف مفاهيمهم ومناهجهم في مقاربة الأحداث مع التغيّرات العميقة التي تحدث الآن. هذا هو الهدف الذي وضعه رئيس المشروع، السيد فرانسوا بورغا، وفريق الباحثين ذوي الاختصاصات المتعددة، وكلهم ممن يتقنون اللغة العربية وعلى احتكاك مباشر مع الواقع المُعاش في العالم العربي، في إطار مشروع ”عندما تنهار الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي“ (WAFAW). سينطلق هذا المشروع في شهر أيلول ٢٠١٣ بتمويل من مجلس البحث الأوروبي (European Research Council). وعلاوة على الباحثين الذين يشكلون نواة الفريق، يحتاج العمل إلى استحداث ستة وظائف تُخصص لباحثين حاصلين على الدكتوراه حديثاً، وتمويل ثلاثة منح دكتوراه إضافة إلى العديد من الشركاء من الباحثين.